ابو القاسم عبد الكريم القشيري

110

لطائف الإشارات

سير النفوس في أقطار الأرض ومنا كها لأداء العبادات ، وسير القلوب بجولان الفكر في جميع المخلوقات ، وغايته الظّفر بحقائق العلوم التي توجب ثلج الصدر - ثم تلك العلوم على درجات . وسير الأرواح في ميادين الغيب بنعت خرق سرادقات الملكوت ، وقصاراه الوصول إلى محلّ الشهود واستيلاء سلطان الحقيقة . وسير الأسرار بالترقي عن الحدثان « 1 » بأسرها ، والتحقق أولا بالصفات ، ثم بالخمود بالكلية عمّا سوى الحقّ « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 10 ] ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) من زرع الشوك لم يحصد الورد ، ومن استنبت الحشيش لم يقطف الثمار ، ومن سلك طريق الغيّ لم يحلل بساحة الرشد . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 11 ] اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 ) يبدأ الخلق على ما يشاء ، ثم يعيده إذا ما شاء على ما يشاء . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 12 ] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) شهودهم ما جحدوه في الدنيا عيانا ، ثم ما ينضاف إلى ذلك من اليأس بعد ما يعرفون قطعا « 3 » هو الذي يفتت أكبادهم ، وبه تتمّ محنتهم . قوله جل ذكره : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 13 ] وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ( 13 ) .

--> ( 1 ) المقصود بالحدثان المخلوقات إذ لها أول وابتداء ولها آخر وانتهاء . ( 2 ) انظر بخصوص هذا الترقي صقحة 486 ( المجلد الأول من هذا الكتاب ) . ( 3 ) لأن معرفتهم العينية تقطع كل شك كان يراودهم في الحياة الدنيا ، فلا مجال يومئذ لأمل زائف .